تفاعلات ضد نتنياهو في الشارع والحلبة السياسية

07 آذار / مارس 2016

الفكر العربي
الفكر العربي

الفكر العربي _ وكالات

حلمي موسى

لم يُثر رئيس حكومة في إسرائيل جدلاً داخلياً في حزبه وفي الائتلاف الحكومي بل وفي الحلبة السياسية والمجتمع أكثر من بنيامين نتنياهو. فهو الرجل الذي كثيراً ما دفع قيادات في حزبه إلى الخروج عليه وتشكيل أحزاب مناهضة وهو الذي لم يفلح في تكوين صداقات داخل ائتلافه الحكومي وظل على الدوام مستنداً إلى ائتلافات الضرورة. ومع ذلك فإن نتنياهو، أكثر من أي زعيم آخر في الدولة العبرية أفلح في أن يقود حكوماتها طوال أربع ولايات شهدت تغييرات داخلية وإقليمية ودولية كبرى.

ويبدو من معطيات كثيرة أن وجود نتنياهو على رأس حزبه والحكومة يخضع، على الأقل في الآونة الأخيرة، ليس لمزاياه وإنما لعيوب خصومه. فالجمهور يشعر بالضجر من رئيس حكومة يبتعد عن مواجهة المسائل الكبرى ويُصرّ على نوع معين من الإدارة لشؤون الحكم يغلب عليها الرغبة في البقاء أكثر ما يغلب عليها الرغبة في التغيير أو التطوير. ورغم انتهاج نتنياهو لأساليب حديثة ومبتكرة، خصوصاً في الجانب الإعلامي إلا أنه بقي أصولياً في تفكيره السياسي ولم يجرؤ على طرح أية أفكار جديدة.

والأدهى أنه في ولاياته الأربع قليلاً ما كان ينال تأييداً شعبياً واسعاً في منتصف ولايته أو عند نهاياتها، لكنه كان يفاجئ الجميع غالباً بقدرته على الفوز ونيل التفويض لتشكيل الحكومة الجديدة. وفي كل هذه الأحوال يعتمد نتنياهو على نوع من الألاعيب الدعائية التي وإن لم تنطل على الشرائح العليا في المجتمع إلا أنها كانت ذات أثر واضح على الشرائح الدنيا. ويبدو أن الوضع هذه المرة لا يختلف عن مرات سابقة سوى في تعاظم الجهد للإطاحة به وفي تنامي الضجر منه.

وتظهر آخر استطلاعات الرأي التي نشرت في الصحافة الإسرائيلية أن أحزاب الائتلاف الحاكم الحالية والتي تملك النصف زائداً واحداً فقط (61 عضو كنيست) لن تنال في الانتخابات أكثر من 57 مقعداً. وبحسب الاستطلاع الذي نشرته القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فإن الليكود سيخسر أربعة من مقاعده وسينال 26 مقعداً بدلاً من ألـ 30 التي يملكها حالياً. وتقريباً فإن ثلاثة من هذه المقاعد تذهب إلى البيت اليهودي الذي يعزز قوته لكن حزب «كلنا» بزعامة وزير المالية موشي كحلون يخسر ثلاثة مقاعد يذهب مقعدان منها، كما يبدو لحزب ليبرمان. لكن المشكلة هي أن الخسائر في الائتلاف لا تذهب للحزب المعارض الرئيس، وهو «المعسكر الصهيوني» برئاسة اسحق هرتسوغ. فهذا الحزب، يواصل الخسارة لدى الجمهور وينال 18 نائباً مقابل 24 نائب يملكهم اليوم.

وإذا كان ثمة معنى لمعطيات الاستطلاع فإنه زيادة التبلور لدى الناخبين في اتجاهين ليسا متناقضين تماماً: اليمين المتطرف واليمين المعتدل. فالليكود يزداد تطرفاً وهذا يبعد عنه اليمين الأشد تطرفاً الذي يذهب إلى «البيت اليهودي» بزعامة نفتالي بينت. والمعسكر الصهيوني يزداد يمينية وهذا يدفع جزءاً من ناخبيه للتوجّه أكثر نحو ما يعتبر في نظرهم يميناً معتدلاً من أحزاب الوسط، خصوصاً «هناك مستقبل».

ونظراً لهذا الميل ليس غريباً أن الحلبة السياسية الإسرائيلية بمجموعها تتجه بشكل متزايد نحو اليمين. فاليمين الهامشي يغدو تياراً وسطاً فيما اليمين المعتدل يتحول تياراً مركزياً واليسار يكسب لنفسه صفة الغيتو بعد أن صار شتيمة اجتماعية. وربما لهذا السبب نجد تعاظم ميل حزب العمل إلى التماهي مع طروحات الليكود وتبنّي مواقف يمينية. بل أن هرتسوغ نفسه أعرب عن ضجره من اليسار حينما أعلن مؤخراً أن «الجمهور ضجر من سماع اتهامات اليسار المتطرف من دون عرض حلول تحافظ على أمن إسرائيل». لكن المشهد الأوضح هو ما يحدث مع «هناك مستقبل» وزعيمه يائير لبيد. فهذا الحزب الذي نال مقاعده على أساس طروحات علمانية وحدّد لنفسه أهدافاً أبرزها إنهاء الدور الابتزازي للأحزاب الحريدية صار يغازل هذه الأحزاب ويتمنى ودّها.

ورغم استطلاعات الرأي والتوقعات المسبقة بأن لا تعمر حكومة نتنياهو المستندة إلى 61 نائباً، فإن نهاية هذه الحكومة لا تبدو قريبة. ولا يعود ذلك إلى استقرار وضعها ورسوخ برنامجها وإنما لحقيقة أن ليس أمام مكوّناتها خيار آخر كما ليس لدى خصومهم خطة حقيقية. صحيح أن ليبرمان ولبيد يعقدان مؤتمرات طوارئ للإشارة إلى الوضع المتدهور لمكانة إسرائيل في العالم، لكن هذه المكانة لم تكن أفضل في ظل قيادة ليبرمان لوزارة الخارجية. ولا يبدو أنها ستكون أفضل لو انتهجت إسرائيل السياسة التي ينادي بها يائير لبيد والتي لا تسمح لا بتسوية مع الفلسطينيين ولا بتقارب مع الدول العربية ولا حتى الأوروبية. كما أن الوضع الداخلي في إسرائيل، رغم تراجع مؤشراته الاقتصادية والاجتماعية، لا يزال بعيداً عن توفير الثقل المطلوب للإطاحة الشعبية بنتنياهو.

ولهذا السبب يجري الحديث في الحلبة السياسية الإسرائيلية في اتجاهين: الأول تسريع تفكيك شعبية نتنياهو عبر مواصلة التحريض ضده وضد سياسته ولو من دون عرض أي بديل. والثاني العمل على استرضاء الجمهور عبر التقرب من رغباته اليمينية وعلى قاعدة كل ما تريد شرط إبعاد نتنياهو. ولذلك تتزايد التقارير عن تبلور محاولات لتشكيل كيانات وأطر توفر بديلاً للجمهور الإسرائيلي. ولكن إذا لم ينجح الأمر عبر انتخابات، فإن الخيار الثاني وهو الاعتراض على نتنياهو بعد فوزه بالاتفاق على عدم التوصية على تكليفه برئاسة الحكومة وقبول تكليف أي شخص آخر من الليكود.

واضح أنه رغم غياب الحلبة الداخلية الإسرائيلية عن الأنظار تجري فيها تفاعلات كبيرة وإن كانت نتائجها حتى الآن ضئيلة.

انشر عبر