لحظةُ تَأَمُّلٍ بقلم الروائي رياض الحلايقه

17 حزيران / يونيو 2017

حلايقة
حلايقة

لحظةُ تَأَمُّلٍ

تَرَاقصتْ شرايينُ قلبِها حُزنًا وألَمًا، وهيَ تُراقبُ حفيدَها الدكتورَ أحمدَ عائِدًا مساءً من عملِه عبرَ البوَّابةِ التي تزدانُ بالورودِ على جانبيْها وسحاباتُ صيفٍ تسبحُ برفقٍ، تُحرِّكُها نسماتُ هواءٍ عليلٍ . استذْكرَتْ تلكَ اللحظةَ... ابنُها البكرُ الدكتورُ محمدٌ مُتأبِّطًا يدَ عروسِه وهوَ يلِجُ تلكَ البوَّابَةَ الزاهيةَ بشذَى الياسمينِ، يفوحُ في الأرجاءِ مَمْزوجًا بعطرِهما، يُرافقُ مَوكبِهما جمعٌ من النِّسوةِ ..استقبلتْهم بالفرحِ والسرورِ المُعرِّشِ على القلوبِ، وزفّة عُرسٍ عربيةٍ يعلو فيها صوتُ الدفِّ والطبلِ .. أطلقتْ زغاريدَ مُتتاليَةً .. وهي تزهُو بثوبِها البديعِ ذي الطابعِ التراثيِّ .. المُطرَّزِ بألوانٍ زاهيةٍ من الحريرِ الأصيلِ, وعلى يمينِها يقفُ زوجُها الوسيمُ بشموخٍ بابتسامتِهِ العريضةِ .. مُتألِّقًا في ثيابِه العربيةِ .. يعلُو رأسَهُ كوفيَّةٌ فلسطينيَّةٌ .. التفتتْ نحوَه وفيضٌ من الدموعِ يُغرِقُ مآقيها .. عجوزٌ قابعٌ في رُكنٍ من البيتِ .. مُتهدِّلُ الجسدِ .. غائرُ العينينِ .. عاجزٌ عن الحركةِ منذُ أنْ تلقَّى رصاصةً استقرَّتْ في ظهرِهِ حينَ حاولَ الذودَ عن ابنِهِ و رمَى بنفسِهِ فوقَهُ؛ .. وتحوَّلَتْ مراسمُ وداعِهِ المُؤقَّتِ لابنِه وعروسِهِ لقضاءِ شهرِ العسلِ بينَ الأردنِ وتركيا إلى وداعٍ آخيرٍ .. فــفي ذاتِ اللحظةِ تعرَّضتْ المدينةُ لاقتحامٍ من قِبَلِ مُدرَّعاتٍ صهيونيَّةٍ انتشرتْ في كلِّ الاتجاهاتِ تُلاحقُ شبابَ الانتفاضةِ ... وتُطلقُ وابلًا من الرصاصِ مَحشوًّا بحقدِهم الأعمَى؛ .. لِتستقرَّ إحداها في صدرِ العريسِ، أردَتْه على الفورِ أرضًا يتخبَّطُ في دَمِه .. وما هي إلَّا لحظاتٌ حتَّى لفظَ أنفاسَه الأخيرةَ .. وهوتْ عروسُه مَغشيًّا عليها من هَولِ الصدمَةِ .. أسرعتْ سياراتُ الإسعافِ للمكانِ وكَكُلِّ مرَّةٍ مُنعتْ من الاقترابِ، .. ولكنَّ هذا لم يُثنِها يومًا عن إنقاذِ الجَرحى متَى سنحتْ لها الفُرصُ، .. وبعدَ ساعاتٍ من الدّهمِ والملاحقةِ والقتلِ استطاعَ جنودُ العدوِّ الغاشمِ القبضَ على ثلاثةِ شُبَّانٍ من المطلوبينَ لديهم؛ زُجُّوا مُكبَّلينَ في عرباتِهم وأعقابُ البنادقِ تنهالُ على أجسادِهم .. حتَّى غابتْ العرباتُ عن الأنظارِ . هُرِعَ الناسُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ و تداخلتْ الأصواتُ .. و رجالُ الإسعافِ تُسعفُ الجرحى، وتُخلي المكانَ من الشهداءِ .. والجميعُ واجمُ الوجهِ واجفُ القلبِ .. والنسوةُ أصواتُهن صدحتْ بالبكاءِ تارةً والزغاريدِ تارةً أُخرَى .. شهورٌ مرَّتْ .. رُزِقتْ العروسُ صبيًّا وسيمًا سُمِّيّ باسمِ والدِه .. كانتْ دومًا تَرَى فيه روحَ زوجِها الحبيبِ الذي ما نسيَتْهُ يومًا رغمَ زواجِها لاحقًا من الأخِ الأصغرِ، .. سنواتٌ مرَّتْ لكنَّها لم تكنْ كافيةً لتمحوَ تفاصيلَ ذلكَ اليومِ الأليمِ .. وهاهيَ اليومَ بدموعٍ مُواسيةٍ تستقبلُ حفيدَها الدكتورَ مُسترجعةً أدقَّ حيثياتِه .. طافتْ بيوتَ القريةِ تبحثُ عن عروسٍ لحفيدِها الغالي؛ ..حتَّى استقرَّ رأيُها على إحداهن، اجتمعَ فيها الحسنُ والأخلاقُ والنسبُ، رتَّبتْ الجاهةَ, طلبتْ يدَ العروسِ وبعدَ القبولِ تمَّتْ الخطبةُ في حفلٍ بهيجٍ, و الفرحةُ تقفزُ من وجهِها الجميلِ رغمَ الهمومِ وعلاماتِ السنينَ .. توسَّطتْ النساءَ بثوبٍ جهَّزتْه لهذهِ اللحظةِ, وضعتْ يدَها على فمِها وأطلقتْ الزغاريدَ والعروسان يتقدَّمانِ باتِّجاهِ الغرفةِ في آخرِ المَمَرِّ .. حصنٌ أسوارُهُ مُشيَّدةٌ من ذكرياتٍ مُؤلمةٍ .. بابُها الحزنُ و الأسى، .. كادَ ساكنُها أن ينسى أنَّه لا زالَ على قيدِ الحياةِ .. التفتَ الجدُّ نحوَهما بعينينِ دامعتينِ .. وعلى وجهِهِ استقرتْ ابتسامةٌ خفيفةٌ كانتْ قد رحلتْ عنهُ منذُ سنينَ، .. تقدّمَ العروسانِ وهالةٌ من النورِ تُرافقُهما، .. لثَما يدَهُ ..باركَ لهما، وأمطرَهما بوابلٍ من الدعواتِ . قاطعَ هذا المشهدَ صوتُ نحيبِها والحسرةُ تلفُّ خِصرَ قلبِها وارتعاشٌ يسطو على الأطرافِ .. لحظةَ أدركتْ أنَّ كلَّ ذلكَ كانَ سرَابًا.

undefined
انشر عبر