جَنين وراء القضبــان

15 أيار / مايو 2017

جَنين وراء القضبــان في الزاوية الأكثر ظلمة في زنزانتها ، تقوقعت أحلام داخل روحها ، وضعت رأسها بين ركبتيها المثنيتين ، شهقت باكية بحرقة وهي تتحسس بطنها وتلامس جنينها لتبعث فيه الدفء بارتعاشة الخوف عليه . صباح هذا اليوم ، في غرفة التحقيق ، غرفة التعذيب النفسي والروحي لم تنطق بأي حرف ، لم تسمع أية كلمة ، بدت أمامهم كالبلهاء تثقب الفراغ بنظراتها التي استفزتهم كثيراً كان تفكيرها محصوراً بالحركة التي أحستها في أحشائها صباحاً قبل أن يقتادوها إلى غرفة التحقيق ، حركة ولّدت الفرح والأمل والخوف في داخلها ، أشعلت في روحها الحنين إلى زوجها الذي ترك لها قطعة من روحه ، لم يشأ أن يتركها وحيدة . قبل ستة أشهر تزوجت أحلام من فتى أحلامها محمود ، سكنا معاً في البيت الذي ورثه عن أبيه ، وأجداده في القدس ، وسط بيوتها وحوانيتها ، بيت شهد أجمل أيام حياتها . كلما جلسا تحت شجرة الزيتون العتيقة كان يحدثها عن ذكريات طفولته فرحاً منتشياً ، ويخبرها أن والده حدّثه عن ذكريات مشابهة لذكرياته، ويؤكد لها أن عمر هذه الشجرة بضعة مئات من السنين . ذات يوم سمعا طرقاً عنيفاً على الباب ، كان الطارقُ جندياً إسرائيلياً يحمل لهما إنذاراً بإخلاء البيت . تحولا إلى بركاني غضب ، مزّق محمود الإنذار ، رماه في وجه الجندي ، وقف أمام بيته يصرخ ، ويغني .. لو هدموا بيتي ... يا بيتي .. تحت حجارك أنا صامد صامد...... صامد....... صامد لن أخرج من بيتي ، لن يخرج أحد من بيته ، اخرجوا انتم من وطننا ، هرب الجندي ، التفّ جميع من في الحي حول محمود ، يهتفون ويغنون معه لو هدموا بيتي ... يا بيتي .. تحت حجارك أنا صامد صامد...... صامد....... صامد خرج إلى شوارع المدينة يهتف ، خرج الجميع خلفه ، انضم إليهم كل من سمعهم ، تحولوا إلى مسيرة غضب في هتافها ومشاعرها ، فالناس محتقنة ، غاضبة من يوم أن قرر الصهاينة تهويد القدس ، حيث أصبح طرد الناس من بيوتهم هو القانون ، ولم يعد الصمت محتملاً . تصدّى بنو صهيون للمسيرة بالقنابل المسيّلة للدموع ، أمسك محمود إحداها بيده ، هجم على أحد الجنود ، وبكل قوة الغضب داخله ضرب رأسه بها فأرداه قتيلاً ، أطلق جندي آخر الرصاص على محمود فأرداه شهيداً . رأت أحلام زوجها يُسلّم الروح ، التفتت بنظراتها نحو قاتله ، هجمت عليه بكامل صدقها ، بعمق ثورتها ، بشدة ألمها وأنشبت أظافرها في وجهه ، ملأته جراحاً ، اقتلعت عينيه ، كانت في حالة وعي هستيرية ، عندما أفاقت منها كانت مكومة في زنزانتها ، زنزانة ضيقة معتمة دون نوافذ ، تتدلى من سقفها مروحة تعمل حسب أهوائهم ، وفي إحدى الزوايا مقعد لقضاء الحاجة ، وسطل ماء. جالت بنظرها داخل الزنزانة ، انتقت جداراً ، رسمت عليه نافذة ، أخذت تُشرق منها شمس حريتها ، وقفت أمامها ، ملأت صدرها شهيقاً . لم تعرف النوم منذ وجدت نفسها داخل الزنزانة ، كانت في برزخ بين النوم واليقظة ، ترى في لحظات غفوتها أحلاماً ، ما تلبث أن تصحو منها على صوت المفتاح في الباب ، يُحطم أحلامها مُحدثاً دوياً تنتشر أمواجه في ثنايا روحها . يقتادونها إلى التحقيق ، تمضي ساعات ، تعود منه ، وكأن ألف سكين مزّقت جسدها دون أن يلمسوها . خائفة هي ، مضطربة الآن ، قلبها يخفق بشدة ، ونبضاته تتسارع ، تُفكر ، ماذا سيحدث لو عرفوا بحملها ؟ ماذا سيكون مصير جنينها ؟ هل ستتمكن من إكمال حملها في هذه الظروف ؟ وإن ولدته هل سيتركونه لها ، أم سيقتلونه ، أسئلة ضاج بها عقلها ، وضاق بها صدرها . كانت تضم بطنها بين ذراعيها تناجي جنينها ، تمنحه بعض الطمأنينة والأمان ، بعض الدفء والحنان ، وتحاول أن تغفو . انتبهت من غمرة أفكارها إلى صوت أقدام ثقيلة تقترب ، دُسّ المفتاح في الباب ، جاءها الصوت ، هيا ...لم يمض على عودتها ساعة ، ماذا يريدون بعد ، ابتسم المحقق ابتسامة صفراء أجاد نشرها على وجهه الأرعن ، نظرت إليه تلك النظرات التائهة ، فجأة ، دارت بها جدران الغرفة ، سقطت على الأرض مغمى عليها . في مشفى السجن عرفوا أنها حامل ، أعادتها السجانة إلى الزنزانة ، تدفعها أمامها وتقهقه قائلة : حامل يا عاهرة !! ستلدين فلسطينياً آخر ! ، لا نريد مزيداً من الإرهابيين ، دفعتها بقوة داخل زنزانتها ، وقعت على وجهها ، أطلقت لصوتها الجريح العنان بالشهيق والبكاء . مرّت الشهور المتبقية من حملها بمزيد من التعذيب ، وكثير من الخوف ، وتصميم على الصمود من أجل طفلها . كانت السجّانات يزددن قسوة وسخرية منها وتهديدا لها ، قالت إحداهن وهي في زنزانتها : ستلدين لنا جندياً إسرائيلياً ، يكرهكم ، ويحبنا ، يقتلكم ويحمينا ، سيكون ولدك عدو فلسطين ، اختنقت أحلام من كلامها ، وقفت أمامها بكل شموخها وكبريائها ، لطمتها على وجهها لطمة أخرجت معها كل قهرها ، أوقعتها على الأرض ، ركلتها بقدمها صارخة ، سنعيش أحراراً ، أو نموت شهداء ، وفتحت باب الزنزانة .

انشر عبر